منوعات

ورثتُ أشجارًا مېتة فسخروا مني… وبعد شهورٍ قليلة تحوّلت إلى المعجزة التي غيّرت مصير العائلة كلها

وكرز غرسها والدها قبل خمسة عشر عاما ثم تركها حين جاء الجفاف فبدت كأنها ماټت.
اقتربت من أقرب شجرة شجرة تفاح ذات جذع معقود. كانت القشرة يابسة متشققة والأغصان عاړية تشير إلى السماء كأصابع تتهم. لا ورق لا زهرة لا ثمرة. عصي يابسة تمتمت وهي تتذكر قسۏة أبيها.
جلست تحت ظل شحيح وهناك أخيرا سمحت للدموع أن تنهمر. بكت على الظلم وعلى السنوات الضائعة وعلى الأحلام المؤجلة. بكت حتى جفت الـ,ـدموع.
وحين بدأ الشمس تميل إلى الغروب نهضت ونظرت حولها بعينين مختلفتين. هذا إرثها مهما بدا بائسا.

كان بإمكانها أن تبيعه بثمن بخس وتختفي أو أن
اقتربت من شجرة التفاح مرة أخرى وبحركة شبه غريزية خدشت القشرة بظفرها. تحت السطح الرمادي الجاف ظهر لون أخضر باهت. اتسعت عيناها. أخرجت سکينا صغيرة كانت في جيبها وكشطت بقوة أكبر. كان الداخل رطبا حيا.
تسارعت ضـ,ـربات قلبها. ركضت تفحص بقية الأشجار. كلها تحمل النمط ذاته مۏت في الخارج حياة في الداخل.
همست مذهولة ليست مېتة إنها نائمة فقط.
في تلك اللحظة سمعت وقعا خلفها. استدارت فرأت شيخا يستند إلى عصا يراقبها من عند المدخل.
قال بصوت أجش أرى أن أحدا زار هذا البستان المهجور أخيرا.

أجابت إلينا بتردد إنه ميراثي.
قال وهو يرفع رأسه قليلا سباستيان موراليس في خدمتك. أرضي هناك وأشار بعصاه إلى بيت صغير يلوح بعيدا. عرفت أباك. رجل عنيد كالبغل. غرس هذه الأشجار ثم هجرها عند أول عقبة.
تقدمت إلينا خطوة هل تظن أنها قد تعود للحياة
حدق فيها الشيخ بفضول أتفهمين في الأشجار شيئا يا ابنتي
قالت بصدق لا لكنني أستطيع أن أتعلم.
ارتسمت ابتسامة على وجهه المجعد هذه الأشجار تحتاج ثلاثة أشياء ماء ورعاية وصبر. الأرض هنا جيدة لكن أباك لم يبن

نظام ري مناسبا. استسلم سريعا.
تنهدت إلينا لا أملك مالا لنظام ري.
قال سباستيان ببساطة لكن لديك يدان أليس كذلك وأنا لدي معرفة. كان جدي مطعما. علمني حيلا قد تفيدك.
لأول مرة منذ زمن طويل شعرت إلينا أن شيئا يشتعل داخلها. لم يكن أملا خالصا لكنه كان قريبا منه.
سألت بخجل هل ستعلمني
غمز الشيخ ولم لا في عمري يمل المرء بسرعة. ثم إنني أحب أن أرى وجه إخوتك حين تعود هذه العصي اليابسة لتثمر.
عادت إلينا إلى البيت تلك الأمسية ومعها ما افتقدته سنوات غاية. وبينما كانت تعد العشاء كان عقلها يعمل بلا توقف.

لديها بعض المدخرات ليست كثيرة. تستطيع أن تؤجر غرفة في بيت راؤول لسائح أو زائر فتؤمن دخلا إضافيا. ولدى جدتها وصفات محفوظات ومربيات. وحين جاء إخوتها ليجمعوا أشياءهم وجدوها تقرأ في كتاب عن زراعة الفواكه استعارته من مكتبة القرية.
سألها خافيير مستنكرا ماذا تفعلين
قالت دون أن ترفع رأسها أتعلم كيف أعيد الحياة لأشجار يعتقد الجميع أنها ماټت شيء من هذا القبيل.

تدخل راؤول ساخرا لا تكوني سخيفة يا إلينا. بيعي تلك الأرض عديمة النفع وابحثي عن زوج. هذا هو العقل.
أغلقت إلينا الكتاب ونظرت في عينيه بثبات هذا البيت لم يعد بيتكما. أرجو أن تجمعا أغراضكما وتغادرا قبل أن يحل الليل.
ضحك راؤول ضحكة لا تصدق أتطرديننا
قالت بهدوء أنا فقط أذكركما أن هذه حياتي الآن وقراراتي. وقد قررت أن يبدأ طريقي غدا مع الفجر مع أشجار يظنها الجميع مېتة.
في تلك الليلة وبينما كان إخوتها يخرجون بما استطاعوا حمله من أغراض وسط احتجاجات وتهديدات فعلت إلينا شيئا لم تفعله منذ سنوات حلمت بالمستقبل.

مستقبل يشبه أشجارها لا يحتاج إلا إلى رعاية وماء وصبر كثير من الصبر.
طلع الفجر بالكاد حين انطلقت إلينا نحو أرضها. كانت تحمل كيسا قديما فيه أدوات بسيطة مجرفة صغيرة ومقص تقليم صدئا وجدته في المخزن وقربة ماء ودفترا لتدوين الملاحظات. لم تكن تعرف شيئا عن الزراعة لكنها كانت مصممة على التعلم.
حين وصلت وجدت دون سباستيان ينتظرها. كان قد

أحضر كتابين قديمين وصندوقا خشبيا فيه أدوات غريبة.
قال وهو يتأمل معداتها المرتجلة صباح الخير يا ابنتي. أراك جادة.
أجابت وهي تضع كيسها على الأرض لم أكن يوما بجدية مثل اليوم. من أين نبدأ
ابتسم سباستيان من البداية نفهم ما لدينا هنا.
على مدى ساعات علمها كيف تفحص الأشجار. وبيد خبيرة أراها كيف تكشط القشرة برفق لتتأكد من حياة الكامبيوم تلك الطبقة الخضراء الرقيقة تحت السطح.
قال وهو يريها قطعا صغيرا في غصن انظري. هذه الشجرة ليست مېتة. إنها في سبات. حمت نفسها من الجفاف بدخولها في طور كمون عميق.
كانت إلينا تدون بسرعة.

قالت وهل يمكن إيقاظها
أجاب محذرا يمكن أن نحاول لكن الأمر ليس سهلا ولا سريعا. ستحتاج ريا منتظما وتقليم إنقاذ وصبرا كثيرا.
بدأت مهمتهم الأولى بفحص اثنتين وعشرين شجرة. ست عشرة شجرة أظهرت علامات حياة كامنة واضحة أربع كانت في حال حرجة واثنتان ماټتا بلا رجعة.

قال سباستيان ليس سيئا. أبوك اختار أصنافا جيدة لكنه أخطأ حين لم يكيفها مع طبيعة الأرض. غرس وانتظر أن تنمو وحدها كأن الطبيعة خادمة.
وبينما كان يتحدث لاحظت إلينا شيئا غريبا قرب إحدى الأشجار بقعة تبدو فيها التربة منخفضة.
سألت ما هذا
انحنى الشيخ بصعوبة ولمس الأرض مثير للاهتمام ساعديني.
بدأت إلينا تحفر بالمجرفة. لم تنزل نصف متر حتى اصطدمت بالمعدن على شيء صلب.
قال سباستيان تابعي.
بعد دقائق من الجهد ظهرت بنية حجرية دائرية. شهقت إلينا بئر!
صححها بل ناعورة قديمة عربية. كانت هذه المنطقة مشهورة بأنظمة الري الموريسكية.

لعلها تعود لقرون وقد دفنت مع الزمن.
استمرا في إزالة التراب حتى انكشف جزء أكبر من البنية بئر قطره نحو مترين مبطن بحجارة متراصة بإتقان.
سألت إلينا وقلبها يخفق هل تظن أن فيه ماء
قال الشيخ لا نعرف إلا إن جربنا.
أحضر سباستيان حبلا ودلوا من بيته. أنزلوا الدلو في جوف البئر وفجأة على عمق خمسة أمتار تقريبا سمعوا صوت الماء واضحا.
صړخت إلينا بفرح لم تستطع كبحه ماء! لدينا ماء!
وأضاف الشيخ وعيناه تلمعان ومن الصوت أظن أن الغزارة جيدة. لهذا اختار أبوك هذا المكان.

لعله وجد البئر ثم تركه حين أدرك أن إحيائه يحتاج عملا كثيرا.
شعرت إلينا بمزيج من الڠـ,ـضب والحـ,ـزن. كم من الأشياء الثمينة تخلى عنها أبوها لمجرد نفاد الصبر.
قالت بحزم سأنظفه وأعيد تشغيله ولو بيدي.
خلال الأسابيع التالية قسمت إلينا وقتها بين ثلاث مهمات ترميم البئر والتعلم عن أشجار الفاكهة وتأمين دخل يكفيها.
كانت الصباحات في الأرض تعمل جنبا إلى جنب مع دون سباستيان. وبعد الظهر بدأت عملا جديدا كمساعدة في مكتبة القرية الصغيرة لتطلع على كتب الزراعة وتحصل على راتب متواضع. أما الليل فكان للدراسة والتخطيط وأحيانا للبكاء من الإرهاق لكنها لم تفكر لحظة في الاستسلام.

بدأت القرية تهمس عن فتاة الأشجار اليابسة. بعضهم يسخر علنا وبعضهم يراقب بفضول وقلة تعرض المساعدة بصدق.

ومن هؤلاء لوسيا أمينة المكتبة امرأة في منتصف العمر سافرت حول العالم ثم عادت إلى قريتها. قالت يوما وهي تسلم إلينا كتابا قديما وجدت هذا لك. رسالة في التطعيم غير المألوف. جلبته من رحلتي إلى تشيلي.
تصفحت إلينا الكتاب بانبهار. كان ممتلئا بتقنيات تطعيم لم تتخيلها بعضها من ثقافات أصلية صقلت فن دمج الأنواع لإنتاج ثمار فريدة.
همست بإجلال إنه رائع.
ابتسمت لوسيا خذيه. من يعمل بهذه القسۏة يستحق كل الأدوات الممكنة.
بنهاية الشهر الأول كانت
إلينا قد نظفت البئر تماما وبنت نظاما بدائيا للبكرات لسحب الماء.

وعلمها سباستيان شق قنوات ري بالحجارة والطين وفق تقنيات قديمة استخدمها العرب قبل قرون. عاد الماء يجري للمرة الأولى منذ سنوات في تلك الأرض الحجرية ونالت الأشجار أول شربة عميقة.
قال سباستيان الآن يأتي الأصعب تقليم الإنقاذ. سنقطع الأجزاء المېتة ليتركز النسغ في الأجزاء الحية.
كان العمل موجعا. كل غصن يقطع بدا جنازة صغيرة. لكن إلينا فهمت أحيانا كي تنمو لا بد أن تفقد جزءا منك.
ذات مساء وهما يعملان على شجرة برقوق متضررة لمح سباستيان برعما أخضر صغيرا عند قاعدة إحدى أشجار التفاح.

سألها بابتسامة غامضة أتعرفين ما هذا
اقتربت إلينا ببطء كأنها لا تريد أن تفسد المعجزة فرخ برعم جديد.
قال الشيخ بحماس هذا جواب صلاتنا. هذه الشجرة تستخدم آخر طاقتها لتخرج نسلا جديدا. إنها طريقتها في البقاء.
چثت إلينا عند البرعم. كان بالكاد مرئيا وعدا أخضر صغيرا يخرج من الأرض.
قالت يمكننا أن نستفيد منه.
أجاب سباستيان بل يمكننا أن نفعل أكثر. تذكرين كتاب التطعيم الذي أعطتك إياه لوسيا هنا يبدأ دوره.

في الأيام التالية علمها فن التطعيم العتيق كيف تأخذ أقلاما من الأشجار الأقوى وكيف تعد البراعم لتغرسها في جذوع ضعيفة وكيف تحمي مواضع الوصل بالطين واللفافات.
قال وهو يعمل ما نفعله أشبه بنقل ډم. نأخذ القوة من جزء ونمنحها لآخر يحتاجها كما ينبغي أن تفعل العائلة.
تمتمت إلينا وهي تتذكر إخوتها نعم كما ينبغي.
نظر إليها سباستيان بتفهم في الطبيعة كل شيء متصل. أشجار الغابة تتواصل عبر الجذور وتساعد بعضها. البشر وحدهم نسوا هذا الدرس.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى